فخر الدين الرازي

99

تفسير الرازي

من القرائن الدالة على ذلك ثم في تلك القرائن قولان : أحدهما : أنه ما يشاهد في وجوههم من الضحك والاستبشار ، على ما قال تعالى : * ( وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة ) * ( عبس : 39 , 38 ) . والثاني : قال عطاء إن الله تعالى يزيد في وجوههم من النور والحسن والبياض ما لا يصفه واصف ، وتفسير النضرة : قد سبق عند قوله : * ( ناضرة ) * . المسألة الثانية : قرىء : * ( تعرف ) * على البناء للمفعول * ( ونضرة النعيم ) * بالرفع . وثالثها : قوله : * ( يسقون من رحيق ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في بيان أن الرحيق ما هو ؟ قال الليث : * ( الرحيق ) * الخمر . وأنشد لحسان . بردى يصفق بالرحيق السلسل وقال أبو عبيدة والزجاج : * ( الرحيق ) * من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده ، ولعله هو الخمر الذي وصفه الله تعالى بقوله : * ( لا فيها غول ) * ( الصافات : 47 ) . المسألة الثانية : ذكر الله تعالى لهذا : * ( الرحيق ) * صفات : الصفة الأولى : قوله : * ( مختوم ) * وفيه وجوه : الأول : قال القفال : يحتمل أن هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان ، وهناك خمر آخر تجري منها أنهار كما قال : * ( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) * ( محمد : 15 ) إلا أن هذا المختوم أشرف في الجاري الثاني : قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج : المختوم الذي له ختام أي عاقبة والثالث : روي عن عبد الله في مختوم أنه ممزوج ، قال الواحدي : وليس بتفسير لأن الختم لا يكون تفسيره المزج ، ولكن لما كانت له عاقبة هي ريح المسك فسره بالممزوج ، لأنه لو لم يمتزج بالمسك لما حصل فيه ريح المسك الرابع : قال مجاهد مختوم مطين ، قال الواحدي : كان مراده من الختم بالطين ، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار ، والأقرب من جميع هذه الوجوه الوجه الأول الذي ذكره القفال الصفة الثانية : لهذا الرحيق قوله : * ( ختامه مسك ) * وفيه وجوه الأول : قال القفال : معناه أن الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق هو المسك ، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير ، فكان ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم ، وهذا الوجه مطابق للوجه الأول الذي حكيناه عن القفال في تفسير قوله : * ( مختوم ) * ، الثاني : المراد من قوله : * ( ختامه مسك ) * أي عاقبته المسك أي يختم له آخره بريح المسك ، وهذا الوجه مطابق للوجه الذي حكيناه عن أبي عبيدة في تفسير قوله : * ( مختوم ) * كأنه تعالى قال من رحيق له عاقبة ، ثم فسر تلك العاقبة فقال : تلك العاقبة مسك أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك ، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ، ومقاتل وقتادة قالوا : إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك ، والمعنى لذاذة المقطع وذكاء الرائحة وأرجها ، مع طيب الطعم ، والختام آخر كل شيء ، ومنه يقال : ختمت القرآن ، والأعمال